ابن أبي الحديد
280
شرح نهج البلاغة
بالسير معرفة ، وبالآثار والاخبار ممارسة ، حال حروب رسول الله صلى الله عليه وآله كيف كانت ، وحاله عليه السلام فيها كيف كان ، ووقوفه حيث وقف ، وحربه حيث حارب ، وجلوسه في العريش يوم جلس ، وان وقوفه صلى الله عليه وآله وقوف رياسة وتدبير ، ووقوف ظهر وسند ، يتعرف أمور أصحابه ، ويحرس صغيرهم وكبيرهم بوقوفه من ورائهم ، وتخلفه عن التقدم في أوائلهم ، لأنهم متى علموا انه في أخراهم اطمأنت قلوبهم ، ولم تتعلق بأمره نفوسهم ، فيشتغلوا بالاهتمام به عن عدوهم ، ولا يكون لهم فئة يلجئون إليها ، وظهر يرجعون إليه ، ويعلمون انه متى كان خلفهم تفقد أمورهم ، وعلم مواقفهم ، وآوى كل انسان مكانه في الحماية والنكاية وعند المنازلة في الكر والحملة ، فكان وقوفه حيث وقف أصلح لأمرهم ، وأحمى واحرس لبيضتهم ، ولأنه المطلوب من بينهم ، إذ هو مدبر أمورهم ، ووالى جماعتهم ، الا ترون أن موقف صاحب اللواء موقف شريف ، وان صلاح الحرب في وقوفه ، وان فضيلته في ترك التقدم في أكثر حالاته ، فللرئيس حالات : الأولى حالة يتخلف ويقف آخرا ليكون سندا وقوة ، وردءا وعدة ، وليتولى تدبير الحرب ، ويعرف مواضع الخلل . والحالة الثانية يتقدم فيها في وسط الصف ليقوى الضعيف ، ويشجع الناكص ( 1 ) . وحالة ثالثة وهي إذا اصطدم الفيلقان ، وتكافح السيفان ، اعتمد ما تقتضيه الحال من الوقوف حيث يستصلح ، أو من مباشرة الحرب بنفسه ، فإنها آخر المنازل ، وفيها تظهر شجاعة الشجاع النجد ، وفسالة الجبان المموه . فأين مقام الرئاسة العظمى لرسول الله صلى الله عليه وآله وأين منزله أبى بكر ليسوي بين المنزلتين ، ويناسب بين الحالتين . ولو كان أبو بكر شريكا لرسول الله صلى الله عليه وآله في الرسالة ، وممنوحا من الله
--> ( 1 ) ب : ( الناكس ) .